منوعات

“سماع الصوت الداخلي” يختلف بين الأشخاص ويبدأ من سن صغيرة

يمكن أن يكون “الصوت الخافت في الرأس” هو أشد ناقد للشخص أو أعظم داعم له، ومن المعروف أن حديث المناجاة مع النفس يساعد في إعطاء التوجيهات وإسداء النصائح والتمرن على المحادثات الصعبة وحتى التذكير بالكثير من أمور الحياة اليومية، وفقاً لما جاء في تقرير نشره موقع Live Science.

وأشار التقرير إلى أنه لفترة طويلة كان يُعتقد أن حديث المناجاة مع النفس أو الصوت الداخلي الذي يستمع له الكثير من الأشخاص هو ببساطة جزء من الإنسان، لكن اتضح أن البعض ربما لا يعيش حالة المناجاة مع النفس ككلمات أو الجمل، حيث يمكن أن يتخيل صورة أو شكلا ما، بل إن هناك من لا يستمعون لأي كلمات أو جمل ولا يمكنهم تخيل أو تصور أي أشياء في أذهانهم.

وقالت هيلين لوفنبروك، كبير باحثين في علم النفس والإدراك العصبي ورئيس فريق اللغة في المركز الوطني الفرنسي للبحوث CNRS إن “المقصود بالحديث الداخلي للمناجاة مع النفس، هو أن الإنسان يمكن أن يجري حديث خاص موجه لنفسه في صمت وبدون أي تعبير أو صوت”، بعبارة أخرى هو ما يمكن تعريفه بالمونولوج أو الحديث الصامت مع النفس. يكاد الإنسان أن “يسمع”، أثناء المونولوج الحقيقي، صوته الداخلي، بل ويكون على دراية بنبراته ونغماته. ويمكن، على سبيل المثال، أن “تبدو” نبرة الصوت غاضبة أو قلقة.

(تعبيرية)

(تعبيرية)

وأظهرت الأبحاث أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات يمكنهم استخدام الصوت الداخلي أو حديث المناجاة مع النفس بصمت. وتشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال ربما يستخدمون بعض أشكال الصوتيات الداخلية في وقت مبكر من حياتهم، ما بين عمر الـ18 إلى 21 شهراً.

وتتناول أبحاث البروفيسور لوفنبروك المناجاة الداخلية من خلال ثلاثة أبعاد، وفقاً لدراسة نشرتها هي وفريقها البحثي في عام 2019 في دورية Frontiers in Psychology.

يتمثل البعد الأول في “الحوار”، والذي يمكن أن يكون عبارة عن كلام داخلي معقد. وفي هذه النقطة هناك جدل قائم حول ما إذا كان من الدقة تسمية كل الكلام الداخلي بالـ”مونولوج”. لذا فإن البعد الأول يقيس ما إذا كان الشخص يفكر في شكل مونولوج أو حوار مع نفسه. يحدث “المونولوج” ببساطة عندما يفكر شخص ما في شيء مثل، “أنا بحاجة لشراء الخبز” فمن الممكن أن يستمع لصوت داخلي يسرد هذه الجملة. لكن في أوقات أخرى، عندما يفكر الشخص نفسه بشيء آخر، قد لا يقتصر الأمر على مجرد كلمة أو جملة حيث يمكن أن “يستمع” لعدد من وجهات النظر ويمكن أن يتبادل الآراء مع نفسه في إطار حوار صامت.

(تعبيرية)

(تعبيرية)

أما البعد الثاني، فيتعلق بما يسمى “التكثيف”، وهو مقياس لمدى إسهاب الشخص في الخطاب الداخلي أو المناجاة مع النفس. ففي بعض الأحيان يفكر الإنسان بمجرد كلمات أو إيماءات بسيطة. لكن في أوقات أخرى، وتحديداً عندما يكون بصدد إجراء محادثة مهمة مع شخص آخر أو القيام بعرض لجمهور على سبيل المثال، فإنه من المحتمل أن يفكر في جمل وفقرات كاملة.

يتناول البعد الثالث “النية” للانخراط في المناجاة مع النفس عن عمد. ويحدث الانخراط المتعمد بالمناجاة مع النفس لأسباب غير معروفة. ويمكن أن ينجرف الحديث مع النفس في بعض الأحيان إلى موضوعات عشوائية تماماً وربما تبدو غير متصلة.

وأضافت البروفيسور لوفينبروك أنه، من خلال بحث أجراه البروفيسور راسل هيرلبورت العالم النفساني بجامعة نيفادا في لاس فيغاس في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، تم للمرة الأولى تحدي فرضية قديمة كانت تقول بأن “جميع البشر يعتمدون على صوت المناجاة الداخلي”.

(تعبيرية)

(تعبيرية)

ودرس هيرلبورت المناجاة مع النفس عند عدد من المتطوعين قاموا باستخدام جهاز يصدر صفيراً بشكل منتظم، وكان عليهم تدوين ما كانوا يفكرون فيه أو يختبرونه في أذهانهم قبل إصدار الجهاز لصوت الصفير مباشرةً. ثم قام فريقه البحثي بمناقشة ما تم تدوينه مع المشاركين في الدراسة.

وكان إذا قام مشارك بتدوين عبارة “أنا بحاجة لشراء بعض الخبز”، يقوم الباحث بسؤاله عما إذا كان هذا ما اعتقده بالفعل، بمعنى هل فكر في كلمة “خبز” تحديداً، أم هل يشعر بالجوع، أم كان هناك إحساس ما في معدته؟ ومع تعدد اللقاءات تحسن أداء المشاركين في التعبير عن أفكارهم الحقيقية.

وقالت البروفيسور لوفينبروك إنه في نهاية المطاف، كشفت هذه المنهجية أن بعض الأشخاص كان لديهم الكثير من المناجاة مع النفس، تقريباً كما لو أن “هناك راديو في رؤوسهم”. لكن كان البعض الآخر لديه خطاب داخلي أقل من المعتاد، بل ولم يكن لدى فريق ثالث أي مناجاة داخلية على الإطلاق، وإنما مجرد صور وأحاسيس وعواطف، ولكن بدون استماع لصوت داخلي أو كلمات.

وتم ربط عدم وجود مونولوج داخلي بحالة تسمى “أفانتازيا”، وتسمى أحياناً “عمى عين العقل”. لا يرصد الأشخاص الذين يعانون من “أفانتازيا” أي تصورات في أذهانهم، فلا يمكنهم تخيل غرفة نومهم أو وجه والدتهم عقلياً. وأشارت البروفيسور لوفينبروك إلى أن من لا يتمتّع بالقدرة على التصور أو التخيل، في كثير من الأحيان يفتقر إلى الاستماع لحديث المناجاة مع النفس الواضح أيضاً.

وشرحت البروفيسور لوفينبروك إن “أفانتازيا” والافتقار إلى صوت النجوى الداخلي ليسا بالضرورة أمراً سيئاً، لكن يمكن أن يعد الفهم الأفضل للكلام الداخلي والمجموعة الواسعة من عمليات التفكير التي يمر بها الأشخاص خطوة مهمة بشكل خاص لتطوير “طرق التعلم والتعليم بشكل عام”.

تابعوا آخر أخبار عبر Google News تابعوا آخر أخبار  عبر Google News

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى